تقوم الرؤية الجمالية في الفن القبطي على مبدأ السمو عن المادي نحو الروحي؛ فالمساحات المسطحة، والوجوه الهادئة، والنظرات الثابتة نحو الأبدية، جميعها ليست نقصًا في المهارة، بل اختيار واع يؤكد أن الجمال الحق لا يُقاس بالتشبيه الواقعي، بل بالتعبير عن الصفاء الداخلي والقداسة. لقد تحوّلت الأيقونة القبطية من صورة جامدة إلى حضور روحي، ومن شكل إلى معنى، ومن مادة إلى نور. ويكشف الفن القبطي عن جمال صامت لكنه عميق، حيث تتجاور الرمزية البسيطة مع الحس الشعبي، ويدّحد التراث المصري القديم بالروح المسيحية الجديدة في وحدة بصرية نابضة بالحياة والإيمان. هذه الثنائية بين الأرض والسماء، بين الإنسان والقداسة، هي ما يمنح الفنون القبطية فرادتها واستمراريتها حتى اليوم. إن هذا الكتاب يسعى إلى قراءة الفنون القبطية من منظور جمالي تحليلي، يستكشف القيم البصرية والرمزية التي حملتها الأيقونات والمنسوجات، والجداريات والأعمال الخشبية، بوصفها لغة فنية تمزج بين الحس المصري القديم وعمق التجربة الروحية المسيحية. وهي قراءة تسعى لإبراز كيف استطاع الفنان القبطي أن يحوّل الإيمان إلى صورة والصورة إلى تجربة جمالية خالدة تتجاوز الزمان والمكان.
أستاذ النقد و التذوق الفني و تاريخ الفن – جامعة بورسعيد
المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.